فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو السعود:

{مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ} بالله وحده، أي ما صح لهم في حكم الله عز وجل وحكمتِه وما استقام {أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} به سبحانه: {وَلَوْ كَانُواْ} أي المشركين {أُوْلِى قربى} أي ذوي قرابةٍ لهم، وجوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه والجملةُ معطوفةٌ على جملة أخرى قبلها محذوفةٍ حذفًا مطّردًا كما بُيّن في قوله تعالى: {وَلَوْ كَرِهَ الكافرون} ونظائرِه. روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لعمه أبي طالب لما حضرتْه الوفاةُ: «يا عمّ قل كلمةً أحُاجُّ لك بها عند الله» فأبي فقال عليه الصلاة والسلام: «لا أزال أستغفرُ لك ما لم أُنُهَ عنه» فنزلت. وقيل: لما افتتَح مكةَ خرج إلى الأبواء فزار قبرَ أمِّه ثم قام مستعبِرًا فقال: «إني استأذنتُ ربي في زيارة قبرِ أمّي فأذِن لي، واستأذنتُه في الاستغفار لها فلم يأذَنْ لي، وأنزل علي الآيتين»: {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ} أي للنبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين {أَنَّهُمْ} أي المشركين {أصحاب الجحيم} بأن ماتوا على الكفر أو نزل الوحيُ بأنهم يموتون على ذلك. اهـ.

.قال الألوسي:

{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى}
{مَا كَانَ} أي ما صح في حكم الله عز وجل وحكمته وما استقام {لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ} بالله تعالى على الوجه المأمور به {أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} به سبحانه: {وَلَوْ كَانُواْ} أي المشركون {أُوْلِى قربى} أي ذوي قرابة لهم، وجواب {لَوْ} محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة معطوفة على جملة أخرى قبلها محذوفة خذفًا مطردًا أي لو لم يكونوا أولى قربى ولو كانوا كذلك {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ} أي للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {أَنَّهُمْ} أي المشركين {أصحاب الجحيم} بأن ماتوا على الكفر أو نزل الوحي بأنهم مطبوع على قلوبهم لا يؤمنون أصلًا، وفيه دليل على صحة الاستغفار لأحيائهم الذين لا قطع بالطبع على قلوبهم، والمراد منه في حقهم طلب توفيقهم للإيمان، وقيل: إنه يستلزم ذلك بطريق الاقتضاء فلا يقال: إنه لا فائدة في طلب المغفرة للكافر، والآية على الصحيح نزلت في أبي طالب.
فقد أخرج أحمد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وآخرون عن المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أي عم قل: لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال: أبو جهل: وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه وأبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أي عم قل: لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال: أبو جهل: وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه وأبو جهل وعبد الله يعاودانه بتلك المقالة فقال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ} الآية.
واستبعد ذلك الحسين بن الفضل بأن موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة.
قال الواحدي: وهذا الاستبعاد مستبعد فأي بأس أن يقال: كان عليه الصلاة والسلام يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول الآية فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة، وذكر نحوًا من هذا صاحب التقريب، وعليه لا يراد بقوله: فنزلت في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول، فالفاء فيه للسببية لا للتعقيب.
واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء بل يراد أن ذلك سبب النزول، فالفار فيه للسببية لا للتعقيب.
واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء وهو توجيه وجيه، خلا أنه يعكر عليه ما أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب فبكى فقال: «إذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه» ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أيامًا ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الآية: {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ} إلخ فإنه ظاهر في أن النزول قبل الهجرة لأن عدم الخروج من البيت فيه مغيا به، اللهم إلا أن يقال بضعف الحديث لكن لم نر من تعرض له، والأولى في الجواب عن أصل الاستبعاد أن يقال: إن كون هذه السورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب كما تقدم فلا ينافي نزول شيء منها في المدينة.
والآية على هذا دليل على أن أبا طالب مات كافرًا وهو المعروف من مذهب أهل السنة والجماعة.
وروى ابن إسحاق في سيرته عن العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من خبر طويل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب في مرض موته وقد طمع فيه: أي عم فانت فقلها يعني لا إله إلا الله أستحل بها لك الشفاعة يوم القيامة وحرض عليه عليه الصلاة والسلام بذلك فقال: والله يا ابن أخي لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعًا من الموت لقلتها ولا أقولها إلا لأسرك بها فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه فقال: يا ابن أخي لقد قال أخى الكلمة التي أمرته أن يقولها فقال له صلى الله عليه وسلم: «لم أسمع» واحتج بهذا ونحوه من أبياته المتضمنة للإقرار بحقية ما جاء به صلى الله عليه وسلم وشدة حنوه عليه ونصرته له صلى الله عليه وسلم الشيعة الذاهبون إلى موته مؤمنًا وقالوا: إنه المروى عن أهل البيت وأهل البيت أدرى.
وأنت تعلم قوة دليل الجماعة فالاعتماد على ما روي عن العباس دونه مما تضحك منه الثكلى، والأبيات على انقطاع أسانيدها ليس فيها النطق بالشهادتين وهو مدار فلك الإيمان، وشدة الحنو والنصرة مما لا ينكره أحد إلا أنها بمعزل عما نحن فيه، وأخبار الشيعة عن أهل البيت أو هن من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت.
نعم لا ينبغي للمؤمن الخوض فيه كالخوض في سائر كفار قريش من أبي جهل.
وأضرا به فإن له مزية عليهم بما كان يصنعه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من محاسن الأفعال، وقد روى نفع ذلك له في الآخرة أفلا ينفعه في الدنيا في الكف عنه وعدم معاملته معاملة غيره من الكفار.
فعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقد ذكر عنده عمه: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار» وجاء في رواية أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عمك أيا طالب كان يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك؟ فقال: نعم وجدته في غمرات النار فأخرجته إلى ضحضاح من نار.
وسبه عندي مذموم جدًا لاسيما إذا كان فيه إيذاء لبعض العلويين إذ قد ورد «لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه».
وزعم بعضهم أن الآية نزلت في غير ذلك.
فقد أخرج البيهقي في الدلائل وغيره عن ابن مسعود قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يومًا إلى المقابر فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلًا ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام فصلى ركعتين فقام إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال: إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال: «ما أبكاكم؟» قلنا: بكينا لبكائك قال: «إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل على {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ} إلخ فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذاك الذي أبكاني» ولا يخفى أن الصحيح في سبب النزول هو الأول.
نعم خبر الاستئذان في الاستغفار لأمه عليه الصلاة والسلام وعدم الاذن جاء في رواية صحيحة لكن ليس فيها أن ذلك سبب النزول.
فقد أخرج مسلم وأحمد. وأبو داود. وابن ماجه. والنسائي عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال عليه الصلاة والسلام: «استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فانها تذكركم الموت» واستدل بعضهم بهذا الخبر ونحوه على أن أمه عليه الصلاة والسلام ممن لا يستغفر له، وفي ذلك نزاع شهير بين العلماء، ولعل النوبة تفضي إلى تحقيق الحق فيه إن شاء الله تعالى. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} استئناف نسخ به التخيير الواقع في قوله تعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} [التوبة: 80] فإن في ذلك تسوية بين أن يستغفر النبي صلى الله عليه وسلم لهم وبين أن لا يستغفر في انتفاء أهم الغرضين من الاستغفار، وهو حصول الغفران، فبقي للتخيير غَرض آخر وهو حُسن القَول لمن يرى النبي صلى الله عليه وسلم أنهُ أهل للملاطفة لذاته أو لبعض أهله، مثل قصة عبد الله بننِ عبد الله بننِ أبَيْ، فأراد الله نسخ ذلك بعد أن دَرَّج في تلقية على عادة التشريع في غالب الأحوال.
ولعل الغرض الذي لأجله أبقي التخيير في الاستغفار لهم قد ضعف ما فيه من المصلحة ورجح ما فيه من المفسدة بانقراضضِ من هم أهل لحسن القول وغلبةِ الدهماء من المنافقين الذين يحسبون أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم يَغفر لهم ذنوبهم فيصبحوا فرحين بأنهم ربحوا الصفقتين وأرضوا الفريقين، فنهَى اللّهُ النبي صلى الله عليه وسلم ولعل المسلمين لما سمعوا تخيير النبي في الاستغفار للمشركين ذهبوا يستغفرون لأهليهم وأصحابهم من المشركين طمعًا في إيصال النفع إليهم في الآخرة فأصبح ذلك ذريعة إلى اعتقاد مساواة المشركين للمؤمنين في المغفرة فينتفي التفاضل الباعث على الرغبة في الإيمان، فنهى الله النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معًا عن الاستغفار للمشركين بعد أن رخصه للنبيء صلى الله عليه وسلم خاصة في قوله: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} [التوبة: 80].
وروى الترمذي والنسائي عن علي قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه المشركين قال: فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أليس قد استغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، إلى قوله تعالى: {إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 114].
قال الترمذي: حديث حسن.
وقال ابن العربي في العارضة: هو أضعف ما رُوي في هذا الباب.
وأما ما روي في أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب، أو أنها نزلت في سؤاله ربه أن يستغفر لأمه آمنة حين زار قبرها بالأبواء.
فهما خبران واهيان لأن هذه السورة نزلت بعد ذلك بزمن طويل.
وجاءت صيغة النهي بطريق نفي الكون مع لام الجحود مبالغة في التنزه عن هذا الاستغفار، كما تقدم عند قوله تعالى: {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} في آخر سورة العقود (116).
ويدخل في المشركين المنافقون الذين علم النبي نفاقهم والذين علم المسلمون نفاقهم بتحقق الصفات التي أعلنت عليهم في هذه السورة وغيرها.
وزيادة {ولو كانوا أولي قربى} للمبالغة في استقصاء أقرب الأحوال إلى المعذرة، كما هو مفاد (لو) الوصلية، أي فَأوْلى إن لم يكونوا أولي قربى.
وهذه المبالغة لقطع المعذرة عن المخالف، وتمهيد لتعليم من اغتر بما حكاه القرآن من استغفار إبراهيم لأبيه في نحو قوله تعالى: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} [الشعراء: 86].
ولذلك عقَّبه بقوله: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} [التوبة: 114] الخ.
وقد تقدم الكلام على (لو) الاتصالية عند قوله تعالى: {ولو افتدى به} في سورة آل عمران (91). اهـ.